من الكتاب: جبران في آثاره العربية … يطوي العبقري في خلال عمر واحد أعمار أجيال سبقته، وأجيال رافقته، وأجيال تأتي بعده فيموت ليحيا. ويحيا غيره ليموت.
ويحيا العبقري في قلوب الأجيال لأنه يعطي آلامها الخرساء ألسنة من نار، ويمد آمالها المقعدة بأجنحة من نور. فللحم والدم في كل زمان ومكان مغاور سحيقة تتزاوج في ظلماتها الملذات فتنسل أوجاعاً. وللروح أجواء فسيحة يرودها الفكر والخيال فيضرمان الشوق إلى الانعتاق من الوجع. والعبقري من استطاع أن يسبر الأغوار ويجوب الأعالي وأن يعود من تلك وهذه بصورة الإنسان الأمثل وهدفه الأسنى ألا وهو الحياة التي لا تأخذها سِنة الموت، ولا تكبلها قيود اللحم والدم، ولا تحصرها حدود الزمان والمكان. وجبران كان ذلك العبقري.
في آخر كتاب (دمعة وابتسامة) مقال عنوانه “صوت الشاعر” يتكلم فيه جبران بلسان الشاعر فيقول في جملة ما يقول: “جئت لأقول كلمة، وسأقولها. وإذا أرجعني الموت قبل أن ألفظها يقولها الغد. فالغد لا يترك سراً مكنوناً في كتاب اللانهاية”. وهو يختم المقال بالعبارة التالية: “والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة عديدة”.
عدد الاجزاء : 2
عدد الصفحات : 654
سنة النشر : 2011
الناشر : دار صادر للنشر والتوزيع